محمد متولي الشعراوي

1200

تفسير الشعراوي

إلها قادرا حكيما ، عزيزا عنكم غالبا على أمرى ، لا تضرنى معصيتكم ، ولا تنفعنى طاعتكم ، فإذا كنتم قد آمنتم بي وأنا إله قادر حكيم فاسمعوا منى ما أحبه لكم من الأحكام . إذن فكل « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » في القرآن هي حيثية كل حكم يأتي بعدها ، وأنت تفعل ما يأمرك به اللّه ، وإن سألك أحد : وقال لك : لماذا فعلت هذا الأمر ؟ فقل له فعلته لأننى مؤمن ، والذي أمرني به هو الذي آمنت بحكمته وقدرته . وأنت لا تدخل في متاهة علل الأحكام ، لأنك آمنت بأن اللّه إله حكيم قادر ، أنزل لك تلك التكاليف ، وإياك أن تدخل في متاهة علّة الأحكام ، لماذا ؟ لأن هناك أشياء قد تغيب علّتها عنك ، أكنت تؤجلها إلى أن تعرف العلة ؟ . أكنا نؤجل تحريم لحم الخنزير إلى أن يثبت حاليا بالتحليل أنه ضار ؟ لا ، إذا كان قد ثبت حاليا بالتحليل أنه ضار فنحن نزداد ثقة في كل حكم كلفنا اللّه به ، ولم نهتد إلى علّته ، والحق يقول : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ » ومن عجائب كلمة « اتقوا » أنها تأتى في أشياء يبدو أنها متناقضة ، إنما هي ملتقية « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ » ولم يقل هنا : اتقوا النار كما قال في آية أخرى : « اتَّقُوا النَّارَ » . إذن فكيف يقول : « اتَّقُوا اللَّهَ » ويقول : « اتَّقُوا النَّارَ » ؟ لأن معنى « اتقوا » : أي اجعلوا وقاية بينكم وبين ربكم . كيف نجعل وقاية بيننا وبين ربنا مع أن المطلوب منا إيمانيا أن نلتحم بمنهج اللّه لنكون دائما في معية اللّه ؟ نقول : اللّه سبحانه وتعالى له صفات جلال كالقهار ، والمنتقم ، والجبار ، وذي الطول وشديد العقاب ؛ فهو يطلب من عبده المؤمن أن يجعل بينه وبين صفات جلاله وقاية ، فالنار جند من جنود صفات الجلال ، وحين يقول سبحانه : « اتَّقُوا اللَّهَ » يعنى : اجعلوا وقاية بينكم وبين صفات الجلال التي من جنودها النار . إذن ف « اتَّقُوا اللَّهَ » مثل « اتَّقُوا النَّارَ » أي اجعلوا وقاية بينكم وبين النار . ويتابع الحق : « وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » ، و « ذروا » أي اتركوا ، ودعوا ، وتناسوا ، واطلبوا الخير من اللّه فيما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين